السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 52

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

وقد تطلّب هذا الاتّجاه المعتدل الذي مثّله جُلّ فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن يخوضوا المعركة في جبهتين : إحداهما : المعركة ضدّ أنصار الاتّجاه الأول الذي كانت مدرسة الرأي في الفقه تتبنّاه بقيادة جماعةٍ من أقطاب علماء العامّة . والأخرى المعركة ضدّ حركةٍ داخليةٍ نشأت داخل صفوف الفقهاء الإماميّين ؛ متمثّلةٍ في المحدثين والأخباريّين من علماء الشيعة الذين شجبوا العقل وادّعوا أنّ البيان الشرعي هو الوسيلة الوحيدة التي يجوز استخدامها للإثبات ، وهكذا نعرف أنّ المعركة الأولى كانت ضدّ استغلال العقل ، والأخرى كانت إلى صفّه . 1 - المعركة ضدّ استغلال العقل : قامت منذ أواسط القرن الثاني مدرسة فقهية واسعة النطاق تحمل اسم مدرسة « الرأي والاجتهاد » بالمعنى الأول الذي تقدّم في البحث السابق ، وتطالب باتّخاذ العقل بالمعنى الواسع الذي يشمل الترجيح والظنّ والتقدير الشخصي للموقف أداةً رئيسيةً للإثبات إلى صفّ البيان الشرعي ، ومصدراً للفقيه في الاستنباط ، وأطلقت عليه اسم « الاجتهاد » . وكان على رأس هذه المدرسة أو من روّادها الأوّلين أبو حنيفة المتوفّى سنة ( 150 ه ) ، والمأثور عن رجالات هذه المدرسة أنّهم كانوا حيث لا يجدون بياناً شرعياً يدلّ على الحكم يدرسون المسألة على ضوء أذواقهم الخاصّة ، وما يدركون من مناسبات ، وما يتفتّق عنه تفكيرهم الخاصّ من مرجّحاتٍ لهذا التشريع على ذاك ، ويفتون بما يتّفق مع ظنّهم وترجيحهم ، ويسمّون ذلك « استحساناً » أو « اجتهاداً » .